الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

240

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومعنى يُسِيغُهُ يفعل سوغه في حلقه . والسوغ ؛ انحدار الشراب في الحلق بدون غصة ، وذلك إذا كان الشراب غير كريه الطعم ولا الريح ، يقال ساغ الشراب ، وشراب سائغ . ومعنى لا يَكادُ يُسِيغُهُ لا يقارب أن يسيغه فضلا عن أن يسيغه بالفعل ، كما تقدم في قوله تعالى : وَما كادُوا يَفْعَلُونَ في سورة البقرة [ 71 ] . وإتيان الموت : حلوله ، أي حلول آلامه وسكراته ، قال قيس بن الخطيم : متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة * لنفسي إلا قد قضيت قضاءها بقرينة قوله : وَما هُوَ بِمَيِّتٍ ، أي فيستريح . والكلام على قوله : وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ مثل الكلام في قوله : مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ ، أي ينتظره عذاب آخر بعد العذاب الذي هو فيه . والغليظ : حقيقته الخشن الجسم ، وهو مستعمل هنا في القوة والشدة بجامع الوفرة في كل ، أي عذاب ليس بأخف مما هو فيه . وتقدم عند قوله : وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ في سورة هود [ 58 ] . [ 18 ] [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 18 ] مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) تمثيل لحال ما عمله المشركون من الخيرات حيث لم ينتفعوا بها يوم القيامة . وقد أثار هذا التمثيل ما دلّ عليه الكلام السابق من شدة عذابهم ، فيخطر ببالهم أو ببال من يسمع من المسلمين أن يسأل نفسه أن لهم أعمالا من الصلة والمعروف من إطعام الفقراء ، ومن عتق رقاب ، وقرى ضيوف ، وحمالة ديات ، وفداء أسارى ، واعتمار ، ورفادة الحجيج ، فهل يجدون ثواب ذلك ؟ وأن المسلمين لما علموا أن ذلك لا ينفع الكافرين تطلبت نفوسهم وجه الجمع بين وجود عمل صالح وبين عدم الانتفاع به عند الحاجة إليه ، فضرب هذا المثل لبيان ما يكشف جميع احتمالات . والمثل : الحالة العجيبة ، أي حال الذين كفروا العجيبة أن أعمالهم كرماد إلخ . فالمعنى : حال أعمالهم ، بقرينة الجملة المخبر عنها لأنه مهما أطلق مثل كذا إلا والمراد حال خاصة من أحواله يفسرها الكلام ، فهو من الإيجاز الملتزم في الكلام . فقوله : أَعْمالُهُمْ مبتدأ ثان ، و كَرَمادٍ خبر عنه ، والجملة خبر عن المبتدأ